رواية الروح الثالثة
الجزء 1
تأليف الكاتب / محمد أبوالنجا
منتصف ليل القاهرة من عام 2019
شاب فى نهاية العقد الرابع من عمره
يهبط أدراج سلم مستشفى
يمسك بيده اليمنى حقيبه سوداء
متوسطت الحجم ، ينظر لساعة يديه
بملامح هادئه ، يتنفس الهواء الصافى
الجميل فى تلك الليلة
ثم يتجه نحوسيارته السوداء الواقفة
على ناصية الطريق .
على جانبها الأيمن خدش يدل على
حادثة قديمة وقعت بها
والغريب أنه لم يبال بهذا
أو يعيد إصلاحه
لم يكن هذا الرجل سوى
الطبيب( يوسف حمدى )
طويل القامه
قمحى البشره
عيناه سوداء
وجسد رياضى متناسق ممشوق ،
أستقل سيارته وبدأ يشق طريقة
كالمعتاد عبر طرقات شبه خالية
فى هذا الوقت من الليل ،
وهو يعيد سماع تلك الأسطوانه
التى يعتاد كثيراً على سماعها
كانت بالنسبه له بمثابة الفلتر
الذى ينقى عقله من شوائب عمل
يوم متعب
فقد كانت موسيقى عذبه هادئة جداً
وكثيراً ما كان يسأل نفسه من
صاحب تلك المقطوعه الموسيقية
الجميلة التى يعشقها
دون
حتى أن يعرف أسمها ،
المهم أنه يهوى سماعها ،
لكن يبدو أن تلك الليله
تختلف عن كل تلك الليالى السابقة ..
حينما ظهرت فجأة تلك الفتاة
على ناصية الطريق ،
تشير بيديها فى ساعة متأخره من الليل
وتطلب منه أن يتوقف ،
وكان من الطبيعى لرجل شرقى شهم
أن يتوقف ويعرض المساعده
عليها ،
ضرب مكابح سيارته وتوقف جانباً
وفتح زجاج نافذته ونظر لها ،
أطلت عليه بملامح ملائكيه رقيقة
وجذابه
قالت بصوت ناعم عذب :
آسفه على إعتراض عربيتك
فجاة وبالشكل ده
للأسف أنا واقفه من زمان
والساعه زى ما إنته شايف
عدت نص الليل
ومفيش أى عربيه بتعدى
و طمعانه فى كرمك إنك
توصلنى فى سكتك
يبتسم يوسف و هو يفتح باب سيارته
مبتسماً : أكيد يشرفنى توصيل
حضرتك
تجلس الفتاه بهدوء على
المقعد المجاور له
كم كانت جميلة وفاتنه بفستانها
الأبيض الأنيق الذى ذادها تألق ،
حاول يوسف منع إختلاس النظر إليها
لكنه فشل لم يقاوم ،
كانت رائحة عطرها تفوح فى كل
جوانب السيارة ،
حاول قطع خيط الصمت بينهم
ولكن كان لسانه معقوداً..
ولا يعرف سبباً لهذا
وعندما همَ بسؤالها كانت هى الأسرع حينما
قالت : فى الحقيقة أنا فى قمة الخجل
على إزعاجك واعتراضى طريقك
بالشكل وإهدار وقتك فى توصيلى
ينظر يوسف لها وهو يكاد يشكرها
على فك هذا الصمت بينهم
فيقول بكل هدوء : مفيش إزعاج
ولا حاجه أى شاب مكانى منطقيًا
مش هيسيبك لوحدك..
مش هيسيبك من غير ما يساعدك
عاد يتردد لحظات ثم أكمل : آسف على السؤال
هو أنتى واقفه فى وقت متأخر
هنا ليه..؟
ممكن متجاوبيش لو حابه..
تشير بيديها نافيه : أنا كنت فى
عيد ميلاد واحده صاحبتى
ولما حبيت أمشى طلبت منى
استنى شويه وبأن والدها ممكن يوصلنى
ولما الحفله انتهت
اعتذرت وقالت إن والدها راح مشوار مهم فجأة
وكنت مضطره أنزل واشوف تاكسى
واروح لوحدى
لحد الحمد لله ما قبلتك وانقذت الموقف
ينظر فى سعاده : ده من حسن حظى
وليه الشرف أوصلك واتعرف عليكى
تبتسم فى خجل : أشكرك على ذوقك
يوسف : أعرفك بنفسي أنا
يوسف حمدى
بشتغل دكتور فى مستشفى خاصه
وعاد يمد يده بكارت شخصى
يحمل اسمه وارقام هواتفه..
تنظر للكارت الذى بين يديها
ثم عادت ترفع رأسها مبتسمه :
: أنا نادية..
نادية محمود طالبة فى الصف الرابع
من كلية فنون جميلة
يوسف : جميل
نادية فى دهشة : إيه هوه اللى جميل..؟؟
يوسف فى خجل :قصدى كليه جميله
نادية : هو حضرتك دكتور إيه..؟
يوسف : عظام ..
دكتور عظام ..
نادية : جميل
يضحك يوسف : هعمل زيك واقولك
إيه هوه اللى جميل ..؟
نادية : أصل ماما رجليها بتوجعها
وديما بتشتكى منها ولفيت بيها
على أكتر من دكتور
يوسف : تحت أمرك فى أى وقت لو حابه
تجبيها المستشفى عندنا
أو أجيلكم البيت اشوف ماما زى ما تحبى
أنا فى الخدمه..
ناديه : واضح إن القدر خلانا
نتقابل صدفه بالطريقه دى
عشان تشوف ماما وتكون
إن شاء الله سبب فى شفاها
ينظر فى دهشة ثم عاد يضحك
فجاة تتابعه فى تعجب وهو يقول :
تصدقى أنا ماشى ومش عارف عنوانك
ولا هوصلك فين..!
الكلام خدنا..
ناديه : ما هو الأغرب إنك
ماشى فى الطريق الصحيح
من غير ما أقولك عشان كده
انا ما اعترضتش..
على كل حال إحنا قربنا خلاص
من نفس الطريق
ثم نظرة ناحية مصدر الموسيقى
قائله : أنا بحب المقطوعه الموسيقيه
دى أوى
يوسف : أنا كمان بحبها وبشغلها ديما
نادية : أنا بحب جميع أعمال عمر خيرت
يوسف فى دهشة :
تصدقى أنا أول مره أعرف إن
المقطوعه دى بتاعت عمر خيرت
أنا مشكلتى...
تقاطعه : بس متشكره البيت هناك أهو هنزل هنا
فرصه سعيده يا دكتور يوسف
يوسف فى إرتباك : تصدقى الوقت
عدى بسرعه وأنا بتكلم معاكى
ومحستش بيه..!
نادية : صدقنى وانا كمان سعيده
جداً إنى أتعرفت عليك..
يتوقف بالسيارتة
وهو يكاد يهتف لها أن تبقى
معه قليلاً ولكن ليس بيده
خرجت من السيارة
يتابعها بعينيه فى ترقب
تلتفت فجاة بنظرات عينيها الحالمه
وهى تدعوة لتناول القهوة
يشكرها يوسف مبتسمًا فى هدوء
قائلاً بهدوء : هستنى منك مكالمه
تطمنينى على ماما وتحت أمرك
فى اى وقت تحبى إنى أشوفها فيه
ابتسمت فى رقه : أكيد هكلمك..
وتبتعد و قلبه يخفق دون أن
يعلم السبب
ليتنهد وينطلق بسيارته ...
لكن عقله ظل يفكر فيها بشده ..
لا يعلم ولماذا ..!
أنها المرة الأولى التى يراها فيها..!!
ولكنها تستحق هذا الإعجاب..
وعاد سماع الموسيقى من جديد
: الله على جمال الموسيقى دى
هى قالت لى بتاعت مين..؟
أنا نسيت..!
***********
مع شروق الشمس
يأتى فى مسامع الدكتور يوسف
هذا الصوت من بعيد..
و يقترب..
ويقترب ويعلو شيئاً فشىء
أنه الرنين..
رنين هاتفه...
لستيقظ من أحضان نوماً عميق ..
ينظر لرقم المتصل
فى هذا الصباح الباكر..
يفرك عينيه بأصابعه
يتثاوب وهو يفتح المحادثه : ألو..
أيوه مين معايا...
على الجانب الآخر صوت عذب حنون
يقول : دكتور يوسف أنا ناديه..
ينتفض وتتسع عيناه وقد تلاشى منهم
الخمول والنوم ليقول متعجباً : ناديه..!
ناديه فى ارتباك : أنا آسفه
إنى بتصل بدرى أوى كده...
يوسف : لا أبدًا تحت أمرك
نادية فى لهفة : شنطتى..
إظاهر نسيتها فى عربيتك..
يوسف فى دهشه : واضح إن
فيها حاجه مهمه..
وده اللى خلاكى تتصلى بدرى أوى كده
نادية
: فعلاً يا دكتور يوسف..
فيها حاجه مهمه جداً
يوسف : طيب ممكن خمس دقايق
بالظبط هنزل أشوفها تحت فى
عربيتى وبعدها هتصل عليكى
ناديه : أكون ممنونه يا دكتور
أنا فى إنتظارك
ومع نهاية حروف جملتها
كان يوسف يأخذ طريقه
نحو مصعد العماره ويهبط
إلى حيث تستقر سيارته
ويبحث عن تلك الحقيبه
حتى وجدها ملقاه داخلها
يتنهد وهو يلتقطها
إنها ما تزال تحمل عطرها
يستنشقه وقلبه يخفق من جديد
ويعود إلى شقته يضع الحقيبه جانبًا
ويرتشف كوبًا من الماء
قبل أن يسمع رنين هاتفه من جديد
وصوت ناديه فى لهفه : لقيت الشنطه
يوسف : أيوه موجوده تحبى نتقابل
أمته وأ..
تقاطعه : أنا هاجى لحضرتك حالاً
يوسف : ياه للدرجه دى
لم تجيبه ناديه : ممكن العنوان
يوسف : زى ما تحبى..
نادية : دقايق وهكون عندك مع السلامه
لم تمهل يوسف أى فرصه للحديث
وهو يفكر ويأخذ شهيق كبير
: غريبه هى مالها متصربعه كده ليه
وملهوفه على الشنطه..!
أكيد فيها حاجه مهمه..
مهمه جداً..!
ياترى فيها إيه..
اقترب من الحقيبه ولامسها بإطراف أصابعه
ثم عاد يتراجع يقول : الله..
هى ناديه دى هتيجى شقتى أزاى..؟
أنا ملحقتش أقولها على العنوان..
غريبه أوى..
ومش موجود حتى على الكارت بتاعى..!
هتعرف الطريق منين
أكيد أتلبخت وهتتصل تانى تسألنى..
بس أنا الفضول هيجننى
ياترى الشنطه دى فيها ايه مهم
عشان تجرى كده ملهوفه على ملى وشها
مش من عدتى اكون متطفل..
ولا من طبعى..
ولا شخصيتى...
واطلق زفيره وأجمع شجعاته
واتخذ قراره وامسك الحقيبه
وقلب كل محتواها على الفراش
وقام بفرزها..
فلم يجد سوى
بعض العملات الورقية والمعدنية
نظارة شمسيه..
مفكرة فارغة..
صور ..
وعاد يتراجع من جديد وتتسع عيناه
وهو يطلق صرخه مكتومه..
فقد كانت صدمه لم يتخيلها أو
يتوقعها حينما وقعت عيناه على
واحده من بين تلك الصور
التى كانت تحمل ملامحه..
صوره شخصيه له...

تعليقات
إرسال تعليق