رواية السرداب
الجزء 32
تأليف محمد أبو النجا
كان مشهد بالفعل يفوق الخيال
وريم تحتض خالد وتهوى به من فوق
أعلى قمة بالقصر..
نحو المجهول..
كان آخر ما رآه خالد هى إبتسامتها
وهى تهمس بصوتً حنون
وتقبله..
خالد ينظر لها فى حزن :
أنا لحد دلوقتى موصلتش للأرض ..
هى المسافه كبيره اوى
بين الأرض وسطح القصر..
كل ده لسه بننزل ..
تبتسم ريم وهى تودعه : خلى بالك من نفسك
...
خلى بالك من نفسك ..
وتبتعد ريم عنه ...
ويفقد خالد حضنها..
وسط سحابه بيضاء ...
يسبح خالد وحده ...
يفكر فى كل ما حدث ...
يفكر فى قصته ...
تتثاقل عينيه ...
ويشعر بتلك الغيبوبه ...
ولم يعد يرى أى شىء ...
وغاب تماماً عن وعيه ...
لتخترق الأحلام رأسه ..
بل الكوابيس..
ويرى فيها وجوه لم يراها من قبل
ولا
يعرفها..
وصور لإحداث لا يتذكرها..
وأصوات لأشخاص لم يسمعها...
وكلمات لا يفهم معنى لها ...
ولا يعلم كم من الوقت مر عليه ..
ليستيقظ ...
يستيقظ على ضوء تلك الشمس الحارقة ..
التى تحجب الصورة عنه
وجسده غارق فى العرق ...
يحاول إدراك ما حاوله ..
يتذكر اللحظات الأخيره ...
لقد جذبته ريم وسقطت معها
من أعلى القصر ...
يتذكر ابتسامتها ..
ودمعتها ..
قُبلتها ...
يعتدل بجسده المتهالك ...
المتحطم ..
فوق رمال صفراء ملتهبه ...
يتأوه ...
يدور برأسه
ما هذا المكان الذى هو فيه ..؟؟
صحراء ...
ما الذى يحدث ..؟
هل هى الأخرة ..؟
هل هو الموت ...؟
هل هو عالم
جديد قد إنتقل له..
أم ما يزال حياً ..!!
أسئلة كثيرة تتوالى بلا أى إجابه
فوق رأسه ..
فجاة يلمح تلك الملابس ..
يتذكرها تماماً ..
يعرفها ..
ملابس ريم ..
نعم التى كانت ترتديها حينما سقطت معها
من اعلى القصر ..
يقترب بأقدام متراقصة متهالكه ..
وينثنى على ركبتيه..
ثم يتراجع فى فزع يصرخ ..
ويشهق فى ذهول ورعب ..
فلم
تكن ريم فى ملابسها..
بل كان
هيكلاً عظمياً...
وجمجمه
بها بقايا
شعر أنثى..
شعر
ريم..
يصرخ خالد فى بكاء وحسره :
مش معقول ...!
مش معقول تكون دى ريم ..؟!
ريم لو ماتت مش ممكن
تبقى هيكل عظمى فى الوقت القصير ده..؟!
تتساقط الدموع من عينيه..
وهو يمسك عظام ريم ويلامسها ...
قائلاً فى حسره : معقول ..!!
أنا مش مصدق ...!!
ومش قادر أفهم ....!!
لو فعلاً ريم ماتت معايا
أزاى اتحللت بالسرعه دى ...؟!
وتبقى هيكل عظمى ...؟؟!!
اكيد دى لعبه من ناصر ...
بس فين القصر ..؟
انا مش شايف له وجود ...
مش شايف غير صحرا واسعه ملهاش نهاية
...
مش عارف دى الدنيا
والاه انا مت ورحت الأخره ...!
ممكن تيجى الملايكه دلوقتى وتحاسبنى ..
بس أنا لسه فى الدنيا والشمس طالعه
..!!
أو ممكن اكون بحلم ...!!
ممكن يكون كابوس
من كاوبيس القصر المرعبه ..
يدور برأسه فى أرجاء الصحراء الواسعه
: مش عارف أمشى منين ..؟
وأى طريق يوصلنى للعمار ..؟
خلينى عكس اتجاه الشمس ..
خليها فى ضهرى ..
وبدأ خالد ياخذ طريقه للسير ...
وعقله لا يتوقف عن التفكير ..
فى كل ما مضى ...
لقد فقد السحر الذى كان يملكه ...
لم يعد ساحراً ..
ولا يعرف السبب ..!
ولا يعلم كيف سقط كل تلك المسافه
الكبيرة من القصر دون أن يمت ..؟
وتتراقص الدموع فى عينيه ..
ويرتجف قلبه كلما تخيل أن تلك العظام
التى رآها هى لحبيبته ريم .
فجأة طريق للسيارات يلوح من بعيد له ..
يحمد الله وهو يتنفس الصعداء فلم يعد
يتحمل السير أكثر من ذلك .
يصل إلى الطريق ويرفع يده يوقف
أى سيارة آتيه ...
وبعد
دقائق
يتوقف هذا الرجل البدين الأشقر
ويهتف له وقد بدأ الظمأ ينهش عروقه
: ممكن أشرب ..؟؟
الرجل يجيبه بلغه إنجليزيه ...
خالد فى دهشة يهتف بالإنجليزيه : واتر
...واتر ..
الرجل البدين الأشقر يهز برأسه
ويرفع غطاء جانبى ويجذب
زجاجة بنية اللون ويقدمها له ...
يبدأ خالد فى الأرتواء لهذا الظمأ
والعطش الشديد
ويلتقط أنفاسه وينظر للرجل
الذى يتابعه فى دهشة ويراقبه
خالد يأخذ نفساً عميق
وهو ينظر يمين ويسار ويحمد الله
أنه يعرف اللغة الانجليزيه بعض الشىء
فيهمس فى هدوء : أحنا فين بالضبط ...؟
الرجل يتابعه فى دهشة دون أن يجيبه ...
خالد بلغة أنجليزية ركيكه بعض الشىء :
يعنى أى منطقة ..؟
هو انته سائح فى مصر ..
الرجل تتضاعف دهشته
وهو يستمع لحديث خالد له ..
خالد فى تعجب : أنته مبتردش عليه ليه
..؟
الرجل : أنته مش عارف انته فين ..؟
خالد : لاء ..زى ما تقول كده تايه ...
الرجل : مدينة سانت لويس ..
خالد فى قمة ذهوله : مدينة سانت لويس
...؟
فين المدينه دى..؟
انا سمعت عنها قبل كده ..
بس مش فاكر فين..؟
البدين الأشقر : فى الولايات المتحده
..
يتراجع خالد فى قمة ذهوله ..
وتسقط الزجاجه من يده
ويعود يلتقطها بسرعه :
مستحيل اللى بسمعه ...!!
مستحيل ...!!
إيه اللى جابنى الولايات المتحده..؟!
ومدينه سانت لويس..؟!
الرجل البدين فى تعجب : أنته منين ..؟
وازاى مش فاكر انته جيت هنا ازاى..؟
خالد : أنا مصرى ..
وعايش طول عمرى فى مصر
ومخرجتش منها ..
ومعرفش وصلت هنا أزاى ..
وإيه اللى جابنى ..!!
الرجل يعرض عليه الركوب ..
خالد يجلس جانبه
والرجل يختلسه بنظرات المراقبة
عبر مرآت السيارة..
وخالد شارد الذهن والتفكير ..
الرجل يقطع الصمت : تحب أوصلك فين دلوقت
..؟
خالد يضع رأسه أرضاً : بجد مش عارف ..
أنا محتاج أرجع مصر
وأكيد الطريق الوحيد لرجوعى هو السفارة
المصرية ..
الرجل : واضح انك مريت بظروف مؤلمه وعسيرة
..؟
خالد : ظروف فعلاً صعبه وفوق الخيال وقصة
طويلة
الرجل : أكيد معندكش مانع تقولهالى ...
خالد : فى الحقيقة قصتى تحتاج لشهور
عشان أقولها ...
الرجل : أكيد عايز تنام وترتاح..؟
خالد : فعلاً عرفت ازاى ..؟
الرجل : من ملامحك ..
على كل حال عندى مزرعه قريبه
بعد ما نوصل ممكن تنام هناك وترتاح
وبعدها تفكر وتشوف
إيه خطوتك الجايه ....
خالد : مش عارف اشكرك ازاى ..
الرجل : تشكرنى إنك تحكى لى قصتك ...
خالد : انا بتكلم انجليزى بصعوبه
وبحاول افهمك برضه بصعوبه
الرجل : بعد ما تاكل وتنام أكيد تركيزك
هيكون أكبر ..
الراحه بتفرق كتير فى التفكير ...
خالد : عندك حق ..فعلاً ..
أنا محتاج أوى للنوم ..
وتعبان جداً ..
تعب ملوش حدود او وصف
******************
أحلام وكوابيس تداهم رأس خالد ..
يراها وينساها فى نفس اللحظه ..
ويستيقظ ..
بأنفاس سريعه ...
متلاحقه..
وقلبه
يخفق...
ينظر للحجرة التى ينام فيها ..
بلا نوافذ ...
ويمسح جبهته التى ينصب منها عرقاً ...
ويعتدل عبر الضوء الخافت
يسمع صهيل الأحصنه من حوله
أخذ يتحرك ويجول فى المكان يتفقده
حتى أخذته
أقدام لتلك
الحجره
لينزع ملابسه ..
ويقف أسفل الماء الدافىء ...
ويغلق عينيه ....
ويتكرر داخل رأسه هذا السؤال المرعب
المتكرر : كيف وصل إلى هنا ..؟
وهو لم يشعر بالطريق ..!
ولا بالمسافه...!
ولا
بالزمن...!
كيف يسقط من قصر فى القاهرة
ليستيقظ فيجد نفسه
فى مدينه بعيده ..
كامدينة سانت لويس
يعود ليتوضأ ..
فهو منذ زمن بعيد لم يصلى ..
يحتاج للصلاه وللدعاء ...
ويسجد ويبكى ..
يبكى لله ..
لا يعلم ما الذى حدث له..!!
ويدعو يارب قائلاً :
يارب لو كل اللى حاوليه مش حقيقة...
أو سراب....
لو كل شىء فى الدنيا بيتبدل وبيتغير
...
أنته زى ما انته فى كل زمن وكل مكان ..
يارب محتاجلك..
ساعدنى...
ويعود للفراش ويرقد عليه ..
يعود بذاكرته وكأنها تتلاشى شيئاً فشىء
..
حتى أشرقت الشمس ..
ويعود الرجل البدين للدخول عليه بوجه مبتسم
..
ويلقى عليه الصباح ..
خالد يبادله التحيه ..
الرجل : جاهز بينا نروح السفارة ...؟
خالد : أيوة ..
الرجل : بس نفطر الأول وبعدها نمشى ..
خالد : على فكرة انته طيب اوى
مش عارف من غيرك
كنت هعمل إيه ...!
الرجل : متنساش إنى طلبت منك المقابل
بس انته اللى رفضت
خالد : إنك تسمع قصتى ..
صح..؟
أومأ الرجل برأسه : أكيد..
أنا حاسس ان وراها غموض كبير
ولغز محير
وانا بحب أسمع القصص دى أوى ...
خالد : أوعدك بزيارتى من جديد ليك ...
يمتطى الرجل شفتيه : زى ما تحب ..
وبعد وقتً قصير
كان خالد والرجل ينطلقان بالسيارة ..
خالد : هى المسافه بعيده للسفارة ..؟
الرجل : أكيد ...هناخد وقت طويل جداً
..
بس متقلقش ..ممكن ندردش فى الطريق ونتكلم
نسمع موسيقى ...
حاجات كتير ممكن نعملها تختصر الطريق
ممكن نرتاح على فكرة فى فندق
لو حبيت ليله ..
خالد : ياه هو الطريق بعيد للدرجه دى
..
الرجل : أيوة ...
خالد : تعرف إنى لحد دلوقتى معرفش اسمك
يضحك الرجل : ليام ...
يبتسم خالد قائلاً بالعربيه : عاشت الأسامى ...
ليام فى دهشة : يعنى إيه ..؟
يضحك خالد : ده مثل فى مصر بنقوله
لم حد يقولنا اسمه
ليام : أنا بحب مصر كتير
خالد : أنته زورت مصر قبل كده
ليام من أربعة سنوات ..
عجبتنى جداً بلد ليها سحر خاص
مش موجود فى أى مكان تانى ..
وبدأ الحديث يدور بينهم ...
وقت طويل يمر ...
حتى وصل خالد للسفارة
وهنا يطلب ليام مقابلة السفير ..
وبعد السماح لهم ..
خالد يخبرهم بطلب عودته لبلده
ويبدو ان حديثه لم يكن مقنعاً ..
فقد كان السفير هناك ينظر ناحية خالد
بتعجب وقد أخذ بيانته وبصماته
وبدأ السفير يطلب التحقيق فى أمره
وهو يقول فى تعجب :
حضرتك يا استاذ خالد بتقول انك محامى
..!
محامى مصرى ..!!
عايش فى مصر ومش عارف ازاى
دخلت هنا أمريكا
ووصلت مدينة سانت لويس ...؟
خالد : أيوة فعلاً هى دى الحقيقة
صحيت لقيت نفسي فجأة
فى صحراء هناك ..
السفير : قصتك غريبه جداً ..!
وصعب حد يصدقها ..
مش منطقيه خالص للأسف
ومتزعلش من كلامى الصريح
على كل حال أنا بعت أطلب كل البيانات
الخاصه بيك
وهنشوف قصتك إيه بالضبط ...
ليام يعتدل واقفاً : طيب ممكن السماح ليه
بالإنصراف .
السفير : بالطبع سيد ليام شكراً لك ..
فقط سيب عنوانك ورقم تليفونك ممكن
أحتاج حضرتك فى أى شىء ..
بعد إنصراف ليام ..
يتفحص السفير وجه خالد :
ممكن بقى تحكيلى حكايتك
يسود صمت لحظات من خالد وتفكير ..
يبتسم السفير : إيه نسيت
خالد بسرعه يفكر ويرفض الحديث
عن كل ما جرى له فى القصر
والميراث وغيره فلن يصدقه
وستزداد الأمور تعقيداً عليه
التماطل والحديث بطريقة
طبعيه ليقول بهدوء :
مفيش اى قصة حضرتك ..
أنا محامى مصرى
ومعروف ونمت فجأة لقيت
نفسي فى المكان ده معرفش ازاى ...!
السفير : طيب انا راضى زمتك دى قصة
حد يصدقها..؟!
معقول تدخل أمريكا بدون اى ورق وكمان مش
فاكر الطريقة اللى دخلت بيها ..؟
وكمان تصحى تلاقى نفسك فى
صحراء فى سانت لويس ...
خالد : بس هى دى فعلاً الحقيقة ..
فجأة طرقات على باب الحجره
ويدخل شخص ومعه ورقه
يمدها للسفير الذى يضعه على سطح مكتبه
ويلتقط السفير نظارته ويضعها
ويتفحص الورقه بإهتمام
وينظر ل خالد ويعتدل واقفاً فى دهشة :
البصمات بتاعتك فعلاً هى بصمات
المحامى خالد أحمد محمود ..
خالد : الحمد لله أنك صدقتنى ..
المحامى : بس البيانات بتقول
إن المحامى خالد أحمد محمود
مات من عام ..من عام 2019
يعتدل خالد فى قمة الذهول والدهشة ...
ويصرخ : بس أنا لسه ما متش
قدام حضرتك أهو ...
وازاى من عام ...
وأحنا لسه فى عام 2019
السفير يبتسم : استاذ خالد البيانات
والبصمات كلها بتؤكد فعلاً
إنك المحامى خالد أحمد محمود ..
والمعلومات اللى وصلت بتقول
كمان إن المحامى ده توفى 2019
وأمسك السفير ورقة من امام
مكتبه لنتيجه تحمل التاريخ
أحنا النهارده السابع من نوفمبر 2020
يعنى المحامى ده مات من عام تقريباً
يسقط خالد على المقعد وتدور رأسه ..
فما كان يسمعه مستحيل ..
ولغز جديد ..رهيب ..
يرتجف قلبه ..
فقد فاق ما يسمعه
الآن كل ما مر به ...
وحيره تفقد العقول ...
لمتابعة جميع أجزاء الرواية
إضغط هنا على الجزء المطلوب فى الأسفل

تعليقات
إرسال تعليق